وهبة الزحيلي
107
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة اللّه عز وجل ، أو خصصنا نوحا عليه السلام بتلك النعم التي منها إبقاء ذكره الحسن في ألسنة جميع العالمين لأجل أنه كان محسنا . وعلة إحسانه ما قاله سبحانه : إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ أي إن السبب في كون نوح محسنا هو كونه عبدا للّه مؤمنا . وهذا دليل على أن الإيمان باللّه تعالى وإطاعته أعظم الدرجات وأشرف المقامات . ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ أي أغرقنا كفار قومه بالطوفان وأهلكناهم ، ولم نبق منهم أحدا ، وتلك عظة وعبرة : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق 50 / 37 ] . فقه الحياة أو الأحكام : دلت قصة نوح عليه السلام على الآتي : 1 - أجاب اللّه تعالى دعاء نوح عليه السلام بإهلاك قومه ، فالداعي مضطر ، والمدعو وهو اللّه عز وجل نعم المقصود المجيب . 2 - كانت النعمة العظمى هي إجابة الدعاء ، وكانت مظاهر الإنعام على نوح ثلاثة : هي نجاة نوح ومن آمن معه ، وجعل ذريته أصول البشر والأعراق والأجناس ، وإبقاء الذكر الجميل والثناء الحسن . وقال قوم : كان لغير ولد نوح أيضا نسل ، بدليل قوله تعالى : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [ الإسراء 17 / 3 ] . ومما أبقي عليه : السلام الدائم في الأنبياء والأمم ، أو أن اللّه كافأه أيضا بالسلام منه عليه سلاما يذكر بين الأمم إلى يوم القيامة .